غير مصنف

القاضي الذي مكث أربعين عاماً في المصنعة، ولقى حتفه في وادي العيص

 

يونس جميل النعماني

كاتب وباحث

تحمل ذاكرة المصنعة العديد من الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي والثقافي في السلطنة بشكلٍ عام، والمصنعة خاصة، وكانت لهم بصمات واضحة، تتناقله ألسن الناس إلى يومنا هذا، وهذا ما يدعونا إلى الكتابة عنهم، وتتبع سيرهم؛ حيث كانت المصنعة سوقاً رائجاً، ومنها اشتق اسمها؛ فقد اشتهرت بالصناعة، وخاصة صناعة الأخشاب، مثل الأبواب والمشربيات والنوافذ والمناديس، وكانت الملدة هي الرائدة في هذه الصناعة، كما اشتهرت المصنعة بصناعة السفن، وخاصة قوارب الشاشة، ودبغ الجلود وصناعة النسيج، وصناعة أصباغ النيلة، وكان أهلها من محبي السفر والتجارة، وذكرها البحار العُماني الشهير أحمد بن ماجد في أراجيزه، عندما ذكر المصنعة ومحاره؛ وهذا ما يؤكد أنها منطقة تجارية مهمة. وهناك رأيٌ يقول إن اسمها جاء نسبة إلى بلدة المصنعة في اليمن.

يقول هيراند كيشنداس المعروف بود  هيراه – وهو من عائلة كيميجي، من طائفة الهندوس (البانيان) يسكن في ولاية صور حالياً، تحديدًا في سكة بوش- يقول: “زرت المصنعة عام 1947م، وجلست فيها شهرين، كانت سوقًا رائجًا، ومشهورةً بالبسر (الفاغور) والليمون (اللومي(، وكانت جونية العيش 100 كيلو، والسكر 100 كيلو”. وكان للبانيان في المصنعة بيوتٌ كثيرةٌ بجانب الحصن، يحمي هذه البيوت سورٌ كبير. هذا النشاطُ التجاريُ واكبه نشاطٌ إداريٌ من قبل حكومة السيد سعيد بن تيمور، حيث كان الولاه من الأسرة الحاكمة؛ نظرًا لأهمية الولاية ونشاطها الاقتصادي، ونشاط الموانئ بها؛ حيث يوجد مبناءان هما المصنعة ووادم، ومكان مخصص للتخليص الجمركي يقع بجانب الحصن.

ومن ضمن التنظيم الإداري الوالي والقاضي والحراس والجمارك الخ ..، وحدث أن اجتمعا في المصنعة الوالي السيد ماجد بن تيمور بن فيصل البوسعيدي، والقاضي الشيخ سيف بن حَمَّاد بن أحمد الخروصي، وكلاهما يشهد عليهم الناس بحسن إدراتهم وتصريفهم لأمور الولاية، وشدتهم وغلظتهم تجاه الخطأ، وللسيد ماجد قصصٌ كثيرةٌ يرويها من عاصره، لكني في هذه السانحة سأذكر قصة واحدة، وهي قصة القفار وأصبع السيد ماجد، يحكي عن السيد ماجد عندما كان واليًا على المصنعة في  خمسنيات وستينيات القرن المنصرم، ذاع صيت القفار، فأرسل السيد ماجد في طلبه فجيء به، فقال له السيد ماجد: سمعت عنك أنك قفار لا يشق له غبار في تتبع الآثار، فما قصتك أيها المغوار؟! فقال: عفوك سيدي، ما أنا إلا رجل بسيط، أكل اللقمة واللقمتين، وأبحث عما يسد حاجتي وحاجة عيالي. وكان هذا القفار دقيقًا جدًا في تتبع اللصوص خاصه، ففي أحد الأيام أُرسل إليه أن بعض الأسلحة سرقت، فتبع القفار الأثر من المصنعة إلى الخابورة، ثم وقف على الساحل، وقال: هنا انتهى الأثر، ولا بد أن السارق قد دخل البحر، وبعد أن حرسوا المكان إذا بالسارق يأتي من البحر، ووجدوا بحوزته الأسلحة!! وتكرر هذا مع سارق المواشي أيضا حينما اكتشفه القفار في السويق. قال السيد ماجد: أتعلم لماذا استدعيتك؟. قال القفار: الله، والسيد ماجد أعلم. لقد سرق الحصن، ولم نجد أثرا إلا هذا الإصبع، رد القفار: إنه إصبعٌ كبيرٌ، واضح أن صاحبه له جثة، ثم أخذ يبحث القفار عن الأثر ودار في الحصن دورات عديدة، ثم جاء إلى السيد ماجد وقال: عفوك سيدي سأقول ما رأيت. قال له: قل ولا تخف. قال القفار: إني رأيت أن السارق لم يبرح الحصن. والسارق هذا الإصبع، وأشار إلى إصبع السيد ماجد. ضحك بعدها السيد ماجد. وقال: اعتمدناك قفارًا موثوقا به، وأمر له ببعض المال.

أما القاضي الشيخ سيف بن حَمَّاد الخروصي فلا يكاد أحدٌ في المصنعة لا يعرفه، فهو عَلَمٌ على رأسه نار، كان رجلاً صالحاً، له سيرةٌ حسنةٌ، عمل قاضياً في العوابي ثم الرستاق ثم المصنعة، أما نسبه فهو أبو عبدالله سيف بن حَمَّاد بن أحمد بن سعيد بن جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبدالله بن ناصر بن حيا بن زيد بن منصور بن خليل بن ورد بن الإمام الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك الخليلي الخروصي اليحمدي الأزدي القحطاني.

ولد الشيخ سيف بن حّمَّاد عام 1313هـ/ 1895م في بلدة الهجير من قرى وادي بني خروص التابعة لولاية العوابي، أبوه شيخٌ في قومه، وفارسٌ مقدام، وهو من أعيان دولة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي. عاش الشيخ سيف يتيم الأب والأم حيث انتقلا إلى رحمة الله وهو صغير، يقول عن طفولته: “توفى والدي وأنا  صغير حتى أني لا أذكر ملامحه، وسافر أخي إلى زنجبار، ولم أراه في حياتي؛ لأني كنت صغيرًا حينها، ولم يكن لنا من الأهل أحد في الهجير، وتوفيت والدتي أيضا بعد فترة وجيزة من وفاة والدي، وتولى رعايتي وتربيتي أخي الأكبر حمد بن حَمَّاد الخروصي”.

درس في طفولته القرآن الكريم وتعلّم الكتابة والقراءة عند معلم تعليم الصغار، كما تعلم على يد أخيه حمد، وحفظ القرآن الكريم قبل أن يتم الثانية عشر من عمره، انتقل بعدها إلى العوابي ليلتحق بمدرسة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي (ت 1948م) والذي كان قاضيًا على العوابي حينها. وأصيب بحروق بالغة نتيجة حشوه مدفع العيد، حيث ارتخت يد من كان يمسك بالمدفع، ونقع المدفع وأصابه، فهاجت مشاعر الشيخ ناصر ورق لحال تلميذه النجيب، وأمر بذبح الذبائح، وأمر بعلاجه،وأن يأتوا إليه بورق الموز والأعشاب الطبيعية، وظل يتلقى العلاج ثلاثة أشهر حتى رجع جسمه وتبّدل جلده.

كان الشيخ سيف بن حَمَّاد يجمع فتاوى الشيخ ناصر، وكان حريصًا على إكمال هذه الأجوبة، وقد سماها “سلك المقاصد في جوابات الشيخ ناصر بن راشد” إلا أن هذه الجوابات فقدت للأسف بعد وفاة الشيخ سيف، ولم يبق منها إلا أوراق متفرقة فقط. كما ترك جوابات فقهية متعددة في المخطوطات، لكنها غير مجموعة.

أما تلاميذه فنذكر أشهرهم، وهم: الشيخ عبدالله بن الإمام سالم بن راشد الخروصي، والشيخ عبد الرحيم بن سيف بن حمّاد الخروصي ( عمل وكيلا للزكاة عند الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، كما عمل معلماً في المدرسة السعيدية)، والشيخ سالم بن ماجد الخروصي، وله مدرسة في بيته في المصنعة يتردد عليها المشايخ وطلاب العلم، يتدارسون فيها الفقة والشريعة، ومنهم الشيخ عبدالمجيد الأنصاري، وأبو عبيده عبدالله بن محمد بن خميس البلوشي.

وكما قلنا سابقاً أن الشيخ سيف تولى القضاء في العوابي ثم الرستاق عند الأمام محمد بن عبدالله الخليلي، ثم انتقل المصنعة قاضياً عند السلطان سعيد بن تيمور البوسعيدي، وظل بها قاضيا أربعين عاماً تقريباً. 

كان الشيخ سيف ورعاً تقياً، ولا يأخذه في الحق لومة لائم، ولقبه الأمام محمد بن عبدالله الخليلي بسيف القضاة، ويذكر أن السيد ماجد أراد أن يتدخل في قضية ما، فلم يعجبه الشيخ سيف تدخل الوالي في شؤونه، وغادر البرزة، ثم جلس في اليوم الثاني تحت شجرة الرولة (شجرة معمرة ذات ظلال)، وقال: “من أراد حكم سيف فليجلس، ومن أراد حكم السيد ماجد فليذهب إليه”. وبعدها جاءه السيد ماجد وطيب خاطره. ومن صفاته أنه كان واسع الصدر لا يرد سائلاً ، يقول الشيخ عبدالله بن سيف السعدي: “كنا ذاهبين إلى السويق في مهمة عمل، وإذا بإمراةٍ تستوقفنا تريد كتابة وصيتها، فقلنا لها: إننا ذاهبون لعملٍ مستعجل، وحينما نرجع نكتب لك الوصية، فلم يهدأ بال الشيخ سيف حتى نزل وكتب الوصية للمرأة، وقال: ومن يضمن لي الحياة بعد ذلك، وسيسألني الله عنها”.

وعُرِفَ عن الشيخ سيف أيضا اشتغاله بالطب، وعلاج العيون وخياطة الجروح وغيرها .. وقيل أنه قام بعملية جراحية لأحد السكان في الولاية، وقام يخيط الجرح بخيط حرير وإبره، وقال للشخص: أنك ستموت بعد ثلاثة أيام، فامتنع الشخص عن الأكل وظل يفكر في حاله، وفي اليوم الثالث زاره القاضي، ولم يمت فقال له: الأعمار بيد الله، وأما تلك فكانت حيلة ليمتنع المريض عن الأكل؛ لأن ذلك سيؤثر على العملية، وشفي المريض بعد ذلك، ولله الحمد والمنّة.

ومن آثار الشيخ سيف بن حَمّاد نَسخْ العديد من الكتب، كما توجد له مراسلات مع الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وكذلك مع الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (المفتي العام للسلطنة سابقاً) ومع الشيخ خلفان بن جميّل السيابي، والشيخ الشاعر ابن شيخان السالمي، ومما قاله ابن شيخان في جوابه لإحدى المسائل التي سألها بن حمّاد: 

أن ابن حَمّاد غدا        سيفاً يقد الكربا

أهدى إليّ درراً          يبغي بها مخشلبا

      سؤال نظم يحتوي      قولاً فصيحا هذبا …

وكان الشيخ سيف لطيفًا مزاحًا، ومما يروى أنه توفى شخص عُماني في الكويت، وظن أهله أنه أبوهم، فأقاموا العزاء، ودخلت نساؤه في الترك، ووصل له الخبر في الكويت فجاء مسرعاً في إحدى سفن الفيروز، ودخل على القاضي سيف بن حمّاد، وقال له: قالوا عني أني مت، وهذا شخص، وأن المسائلة تشابه أسماء، فقال له القاضي: لا تقول!  اذهب إلى نسائك وأخرجهن من الترك، وأنا سألحق بكم. ثم أنشد صاحب القصة شلة ميدان، قال فيها خايف معاتباً ابنه:

الصانع صنع، ماشي وممدود

خذلك نخل عمره  بهذاوي

دراهم مع قروش لا حيلة

يوم يقصر العمر لا حيلة

يوم العمر ماشي وممدود

ما يقصر العمر بهذاوي

بييك سيم، برق سريع

عن وفاتي وقلة وفاتي …

ولأن الحياة قصيرةٌ جدًا، فبينما كان الشيخ يقضي إجازته في العوابي، استعد للرحيل إلى عمله في المصنعة، وحمل معه أحجارًا من الصلافة الجبلية، وكأن لسان حاله يقول لقد حملت أدوات لحدي، وأنا مودعكم يا أبناء بلدتي، وعندما سئل عنها، قال: “هي لقبري؛ حيث أن الساحل لا توجد به هذه الأحجار”.

وبينما هو راجع من منطقة القرط قائما بالحق بكتاب الله وسنة نبيه، وكان يوم أحكام، قضاء نظرية أي معاينات ميدانية، وبينما هو في وادي العيص راكباً على راحلته، سقط في الوادي على الصخور، وأصيب بكسورٍ بالغةٍ، منها كسورٌ في رقبته، وحمله الناس إلى منزله في منطقة البديعة، فقال وهو الطبيب العارف: “أن هذه الكسور لا علاج لها في بلدنا”، وأمر أولاده بقراءة القرآن عليه، فتلى ابنه الصقر القرآن، والشيخ الوقور يصحح له، حتى فاضت روحه إلى بارئها، في فجر اليوم الثاني، يوم الخميس 29 من ربيع الأول 1379 هـ، الموافق الأول من أكتوبر 1959م عن عمر 84 عاما، وقُبِر في المصنعة في مقبرة البديعة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

المصادر والمراجع:

– الموسوعة العُمانبة، الجزء الخامس، وزارة التراث والثقافة، الطبعة الأولى، 2013م.

– حكاية البحر والتاريخ ، ماهر مال الله الزدجالي، الطبعة الأولى، 2010م.

– سيرة العلامة سيف بن حمَّاد بن أحمد الخروصي، خالد بن عبدالله بن سيف الخروصي، الطبعة الأولى، 2009م.

– مقابلة مع الوالد درويش بن علي البلوشي.

– مقابلة مع هيراند كيشنداس.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق